الخلاصة

     إن الجلد والشدَّة والفسوة التي يمتاز بها القادة، وأصحاب المناصب المتقدمة في الدولة، يمكن ان تكون من المؤشرات التي تجعل اصحاب الحكم والسلطان يعتمدون عليهم في انجاز المهام الجسام، لاسيما في تثبيت أركان الدولة التي تعتصرها القلاقل وتهزها الثورات،لقد اصبح العراق بعد موت بشر بن مروان سنة (74هـ ـ 693م)، مصدرا لاخطار جسيمة تشكل تهديدا واضحا للسلطة الاموية فيه، فقد تفاقم خطر الازارقة على سبيل المثال وغيرها من الثورات والحركات، فضلا عن خلو منصب الولاية ،الذي قد يؤدي الى وثوب الخوارج على العراق مستغلين الاضطراب، وانعدام النظام ، وافتقار البلاد الى من يدير امورها ويسير رجالها،   وهذا ما حدى بالخليفة الأموي عبد الملك بن مرون ان يختار شخصية يستطيع من خلالها ان يعيد الامن والنظام الى العراق خاصة، وان يثبت الحكم الاموي في كافة انحاء بلاد المشرق بصورة عامة، فوقع اختياره على الحجاج بن يوسف الثقفي ليكون واليا على العراق (75هـ ـ 694م)، فبعد ان كتب الحجاج بسيفه نهاية مرحلة خلافة عبد الله بن الزبير في الحجاز اطلقه عبد الملك نحو اخماد الاضطرابات والفتن التي تقلق اركان الدولة الأموية في العراق، فكان الحجاج صاحب ولايتها، والتي كانت تمتد حدودها السياسية من الأنبار حتى تخوم الاناضول وبلاد الهند والسند، إذ سيّر الحجاج الجيوش الإسلامية من العراق باتجاه هذه البلدان لفتحها، وكان أحد هؤلاء القادة هو عبد الرحمن ابن الأشعث سنة (81هـ ـ 700م)، الذي حقق انتصارات جعلت جيشه يحكم سيطرته على العديد من مدنها، ولكن قسوة الحجاج وسطوته ورغبته في احكام السيطرة على ما تحت يده من الأرض والرجال من جهة ومن جهة أخرى طموح ابن الأشعث في ان يعتلي قمة الحكم، وهو من يعود نسبه الى ملوك كندة العربية، ورغبته في التحكم في زمام الأمور أذكت الخلاف بينهما، وكان السبب الظاهر لهذا الخلاف هو استقرار ابن الأشعث بجيشه في سجستان ولم يمتثل لأمر الحجاج ، في استمرار الزحف نحو فتح بلاد الأعاجم، وكانت الحجة الظاهرة له هو البقاء لاستمكان جيشه من تلك الأراضي والإفادة من خراجها في تدعيم سلطان الدولة الأموية وتقوية الجيش في عدته وعتاده، وكان كبر الحجاج وابن الأشعث هي الفتيلة التي اشعلت ثورة قادها ابن الأشعث على الحجاج في بدايتها، ثم كانت على حكم الدولة الأموية فيما بعد، لاسيما بعد ان لقي ابن الأشعث التشجيع الكبير عبر تأييد افراد جيشه أولا، والذي كان متذمرا من سياسة الحجاج الذي كان يسوقهم الى التجنيد الاجباري لقتال الأعاجم، وتأييد الأهالي، في المناطق التي جعلها ابن الأشعث تحت سلطته، بعد ان اخرجها من الخارطة السياسية لحكم الحجاج وضمها الى حدود دولته وسلطته السياسية،( إذ كانت قسوة الحجاج في سياسة أهل هذه المناطق يدفع بهم نحو أي شخص يمكن ان يرفع يد الحجاج عنهم،) ومن أهم اسباب نفور الناس من سياسة الحجاج انه كانت أولويات تثبيت الحكم لديه أكثر أهمية من رفاهية الشعب واستقراره، بل انه كان يجعل من عدم استقرار الناس يصب في خدمة استقرار الدولة، ومنها التجنيد الاجباري للرجال لينشغلوا في الحروب التي توجه سيوفهم بعيدا عن الدولة، وتبعدهم عن مراكز سلطتها، ومن ابرز ما يمثل تأييد الناس لثورة ابن الأشعث تأييد العديد من الفقهاء والوجهاء والتابعين، وعلى رأسهم سعيد بن حبير، في خلع ولاية الحجاج وخلافة بني أمية للمسلمين، ولكن المدن العديدة التي خرجت من الخارطة السياسية لحكم الحجاج، في داخل حدود العراق وخارجه، لم تحبط الحجاج وتجعله يركن للإستسلام لسطوة ابن الأشعث، وقبول الخارطة السياسية التي رسمها ابن الأشعث بسيفه، بل كانت دافعا للحجاج لاستعادت المدن التي خرجت من خارطة سلطته، فبعد ان خرجت البصرة من ولاية الحجاج ودانت الى حكم ابن الاشعث، والتي كانت خاتمة انتصاراته في معاركه مع الحجاج، والتي تجاوزت الثمانون معركة انتصر فيها ابن الأشعث جميعا باستثناء المعركة الأخيرة، إذ كان اللقاء الحاسم في معركة دير الجماجم وهي المعركة الفاصلة التي حسمت الصراع بين الحجاج وابن الاشعث والتي حقق فيها الحجاج نصرا على ابن الاشعث ،اذ فتت جيشه واسر انصاره وجعلته يستعيد المدن التي خسرها في معاركة السابقة وانهت  هذا الصراع الدامي على السلطة، والذي استمر زهاء اربع سنوات، والتي  لم يجد ابن الأشعث النجاة إلا في الهروب الى بلاد الترك ليقضي ايامه الأخيرة يلفظ آخر طموحاته في ان يكون على رأس الدولة الإسلامية، وبالرغم من ان سيف الحجاج كتب نهاية ثورة ابن الأشعث، وتمكن به من اعادت رسم خارطة سلطته السياسية، لكنه لم يتمكن ان يسفك دمه به، وبالرغم من ازالة الحجاج لخطى ابن الأشعث من الخارطة السياسية للحكم الإسلامي، لكن هذه الخطى تركت أثرا في الخارطة السياسية لحكم الحجاج في التاريخ، إذ فرضت ثورة ابن الأشعث وما حققته في بداياتها من انتصارات تغييرا في حدود هذه الخارطة بعد ان سيطرة على العديد من المدن، منها البصرة، وان كان هذا التأثير مؤقتا لكنه سجل تغييرا ثبت أثره في تاريخ حكم الحجاج لولاية العراق.